بيني و بين غيري

في الآونة الأخيرة كثرت مقارناتي بيني و بين غيري رُغمًا عني حتى أثقل كاهلي ، و عظم همّي ، و بارت سلعتي أمام نفسي ، و ما عاد شيءٌ يشحذ الهمة التي كنت أقتاتُ منها أو للسعي ألبي ، فقد واجهتُ مواقف محت فيني كل ميزةٍ عني ، و أشخاص ما برحوا حتى جعلوني رمادًا بعد أن كنت شُعلةً في عملي إلى أن قرأتُ آيةً نبهتني لما كل هذا ؟ و كيف في الواقع أمضي ؟ ففي قوله تعالى: ( و جعلنا بعضكم لبعضٍ فتنة أتصبرون و كان ربك بصيرا ) فأدركتُ واجبي ، و تندمتُ على ما بدر مني ، و تعلمتُ أن الصبر يعني سكوتٌ لا قرقعة أجراسٍ ، و كلماتٍ تفضي بما يضني ، فيارب عفوًا على ما قد جهلنا ، و ظنًّا حسنًا بما قدرت علينا ، و أنت الكريم المعطي.

Advertisements

في رحلة التعلم

في البداية العلم يُتعبك ، و يُشقيك ، و في منتصف رحلته يُحفزك ، و يغريك ، ثم في نهايته تصل إلى قناعةٍ أنه مهما نهلت منه ، فلن يُشبَعك ، و لن يَرويك ، و ما كنايتك إلا زخرفةٌ مطبطبة عن رحلة مضنية لا زلنا لها نصبو ، و لا تخصصٌ واحدٌ سيكفيك ، و مالنا إلا التجلد ، و التأني ، فلا الغنى هنا هدفٌ ، و لا التباهي به خُلقٌ ، إنما السعي فيه هو أغلى ما فيك.

في مناوبتي الليلية

و كعادتي في أي مناوبةٍ ليلية تشتغل داراتي العصبية ، و يقفز قلمي أمام ناظري ، و يحثني على كتابةِ حالتي النفسية بعد أن قابلت أناسًا قد غيروا مزاجي ، و أدركت أنهم نعمة ربانية ، و هذا ما خطر في بالي بعد إرتشاف هذه القهوة القوية :
ما أجمل أن نخلع رداء المثالية ، و نتجلى بروح البساطة الحقيقية ، و نتعامل مع الجميع بروحٍ إنسانية بخلقٍ إسلامية ، فما وجدت من التكلف إلا ثُقلاً ، و همًا ، و بُعدًا عن السعادة الفعلية ، و ما كان للطير أن يحلق عاليًا إن تخلف عن السرب في الحياة البريّة ، فلا الرفاهية تعني شيئًا إن كانت الوحدة هي السجية ، و بالعلاقات نحيا و نسمو و إن كانت طبيعتنا غير البقية ، و من حبس نفسه في السجن الإنفرادي سيصبح غارقًا في هلاوسه النفسية ، و تهمُّ به كوابيس الماضي ، و لا يأبى التخلي عن أحلامه الوهمية ، فما أكدر العيش إن وصلت حالته إلى ذاك الوادي ، و تغدو حياته بلا ألوان رمادية ، فقد جبلت حياتنا على التآخي ، و هذه هي الفطرة البشرية ، فيا قارئي دع عنك التصدي ، و ازح ستارك بروية.

يوم الطبيب العالمي

بمناسبة هذا اليوم العالمي الذي أُعتبر فيه رسميًا قد سلكت في دربه ، و حلقت في سربه أقول: إخوتي الصغار هم أحب إلي من العالم بأسره ، فإن كان واجبي أن أنصحهم ، فلن أرى الطب طريقًا مناسبًا ، و السلامة هو الهروب من كل ما يخصه ، و الواقع مرٌ أكثر من مرارة الجلوس على كتبه ، و لا يهم الجانب المادي ، ففي الطوارئ نواجه عدوًا ذو شكلٍ غير عادي ، و المضاد معه لا يجدي ، و دائمًا ما نحتار في أمره ، و لا حصانةٌ تحمي الطبيب من أمراضٍ معدية ، و أسلوبُ حياةٍ يخلق في النفس توترًا غير متناهي ، و الله المستعان في أمره ، و زينا الأبيض الذي يظننا الكثير أننا بشكله في تباهي ! في رأيي ما هو إلا قطعة قماشٍ يوازي الكفن في لونه ، و لا يخدعنكم منتسبيه بأقواليهم أنهم بلسمٌ لتلك البلاوي ، فالغالب هنا مهتم بتحقيق ذاته ، متطلعٌ لما في حسابه ، و الأهم من هذا كله مقامه أمام قومه ، و في كل عامٍ يزيد تنافسه ، و مقاعده تضمحل ، و صحة الشعب تسوء في توالي ، و هذا ما قسته في شهرٍ ، و قد أُسيء التقدير لكن هذا رأيي الحالي ، و إن طالتني أسألتكم ، فإجابتي لستُ ندمانةً فيما أنا فيه إنما لأمركم أبالي متمنيةً لكم السعادة و الراحة من شَّرَكه.

حب السؤال

سُئلت من أنا ؟ فأجبت : ابتهال التي فقدت حب السؤال ، و أنا في بحر المعرفةِ غارقةٌ أجهل السباحة ، و الخروج من هذه الٱزمة مُحال ، في مقاعد الدراسة أحببتُ أشياءًا ، و تحت تأثير العيادات ، و المناوبة كرهت السعي ، و الخوض في أي جدال ، فالمريض هنا تحاليلٌ ، و علاجه حقيبة أدويةٍ ، و ميعادٌ بعد نصف عام ، و وداعًا لتاريخٍ مرضيٍ ، و لا فحصٌ ، و لا شيء يحفز العقل على التغلغل في المجال ، و مجالسهم تصفية حساباتٍ ، و تبجحٌ بالعلم ، و المقدم منظره يرثي الحال ، و شكوكٌ تعكر صفوي ، و آهات تملأ صدري ، فما حيلتي و العجز غايةُ قوتي في ساحةٍ ظننتها أنها تقوِّمُ الخلل ، و المعضلةُ أني رفعت سقف التوقعات حتى إنهار علي و مال ، و لم أعد للشكوى أبالي ، و ما عاد صوتي للحق عالي ، و المهم أن أنجز عملي ، و الله هو المحاسب على سوء الأفعال.

شخصان

في خلال منعطفات حياتي قد أنسى الجميع لكن هناك شخصان مهما ارتحلت ، و مهما انشغلت لا يزالان محفوظان في ذاكرتي ، و سيرتهم تثير فيّ ذاك الماضي العتيق. هما متناقضين في الصفات ، و مواقفي معهم قد غيرتني ، و أنا من ذكراهم أقتات ، فأحدهم لم يقصر في تقويمي ، و لفكره أنشر ، و ما قد زرعه فيّ ، و ما بذله في تعليمي ، و كيف أنه بدد في فكري ذاك الشتات ، و الثاني قد اجتهد في تحطيمي ، و كلماته قد غيرت موازيني ، و جعلني لسانه في مقام الرفات ، فيا قارئي هل عرفت من نصي من أعني؟ و من يعنيني؟ إنه معلمي من يهدمني أو يبنيني ، فرفقًا بطلابكم أيها الحَضَرات.

.

أصعب قسم يطلبونني فيه لمساعدة فريقي الطبي هو قسم الإنعاش القلبي الرئوي لأنني دائمًا ما أقرأ على مرافقي المرضى علامات التوتر و الهلع ، و مرضاهم تحت أجهزةٍ ، و لا حركةٌ و لا كلمةٌ تبدد هذا الوجع ، و الدقائق هنا تساوي أيامًا ، و تمنعني مشاعري من وصف هذا الموقف فليس للتطبيب حينئذٍ متسع ، و أفكارٌ و هواجس تملأ عقلهم ، فلا أحد يضمن العلاج ، و يزيد ذاك الشعور البشع ، و من أول أسبوعٍ لي في الإمتياز رأيت كفن ميتٍ منظره قشعر لي جسدي ، و هيئته توحي لي بأنه لطفلٍ في التسع ، حينها أدركت بثقل تخصصي ، و كم صغرت الدنيا في عيني ، و كيف أني قبلت أمانةً لا أعلم هل أنا لها أم أنها ستودي بي إلى غياهب الأسى ، و ذرف الدَّمع.

فرحة التخرج

بنات دفعتي متحمسات لحضور حفل تخرجنا الرسمي في السبت القادم ، و قد حجزوا المقاعد ، و رتبوا الإجازات ، و جهزوا الدعوات و الموائد ، و صيغت في حسنهم القصائد ، و أنا سأمكث في مكاني ، و لن أذهب و لن أسابق ، فقد ماتت فرحة تخرجي بعد أن دخلتُ في دهاليز الإمتياز ، و قد صُعقتُ من الفوارق ، و حفلٌ واحد كفَاني ، و لم أعد مثل السابق ، فلم يعد شيءٌ يعنني ، و أنا في بحر التيه غارقةٌ ، و في غيبوبتي لم أفق ، و للحياة لم أفارق.

جزاء الشكوى

في هذه الأيام ، ذقتُ ويلاتٍ و كلام ، رغم أن لي حقًا في الشكوى ، و قد ظننت أن في حكمهم عدلٌ لا بلوى ، و الحقيقة أنني غرقت في المثالية و الأوهام ، فالجاني فعله واضحٌ ، و قد أدمغته بأدلة لا يشوبها أي شكٍ ، و لا يختلف عليه أي إنسان ؛ لكن النتيجة صدمتني ، و آلمتني ، و أرقتني ، فقد قُلبت طاولة الإتهام على رأسي ، و كان العقاب جماعيًا لا فردي ، بسبب متمرسٍ في المرواغة ، و الكذب ، و البهتان ، و أرهقني تأنيب ضميري على غيري ، فما حيلتي و السيف قد وضع على عنقي؟ و الكل صار ضدي ، و الجاني مسكينٌ مظلومٌ يعيش في سلام! و خلاصة قصتي أنني قد تعلمتُ أن الشكوى تضر و لا تجدي ، و أن السكوت خير رفيقٍ في هذا الزمان ، و ما يهون خاطري أنني على ثقةٍ أن ربي في كل حدثٍ له حكمة لا يفهمه عقلي القاصر في وضعي الآن.

عاملة إمتياز

نفسي أعلق بطاقة على رقبتي أكتب فيها: إن هذا الأسبوع أول أسبوع لي في الإمتياز ، و ما كان الرفق في شيءٍ إلا زانه ، و قد كنتم في مكاني يومًا ، فتجنبوا الإختصار ، و أوضحوا لي المسار ، و لا تقارنوني بشخصٍ في نهاية المشوار ، و لا تسلبوا وقتي بأوامر ليست من واجبي ، و تجنبوا الإحتكار ، و لنجعل العطاء ديدن هذا المضمار ، و اجمعوا ما أردتم ، و لا تجعلونني أطوف المشفى ، لطلباتٍ من حقي رفضها كي لا أزيد من الأضرار ، فكلما هممتُ بشرب قهوتي فاجئني إتصالٌ كالإعصار ، و نهايته طلبات تحاليلٍ أدخلها في النظام من دون نظام ، و تدريبي هنا ليس طبًا إنما وهمٌ ، و قد وقعتُ في الحصار ، فلا قراءة أستطيع نهل العلم منها ، و لا تدريبٌ يهيئني لذاك الإختبار ، و ما حيلتي غير الشكوى ، فأنا هنا عاملة إمتيازٍ ، و يالحسن الإختيار.