قهوتي المُرّة

سيموت حبي للقهوة بعد أن سكنتُ في جدة ، فلا معنى هنا للكابتشينو ، و لا موكا ، و لا قهوةٌ مُرَّة ، و ما أغباني حينما صرفت مالي على كوبٍ باهظ الأجرة ، فلدينا حمام سونا مجاني ، و هنا لا تكتمل الفصول الأربعة ، و بالرغم من سخريتي من وضعي الحالي ، فما أسعدني أنا هنا حرة.

Advertisements

آفة هذا العصر

‏آفة هذا العصر هي السرعة ، فما حال من في طبعه العجلة ؟ فمهما حاولتُ التأني ، دفعتني الدنيا على حين غرّة.

الجمال في أي مكان

‏تحية عظيمة لمن تذوق جمال الصباح و هو حرٌ طليقٌ من قيود الدوام ، رفيقه فنجان ، و مسمعه راويٍ يحكي له عن داغستان ، و موسيقاه نسماتُ فجرٍ ، و هديل حمام ، و لا يغرنك إنسان ! بجبال الألب ، و باريس ، و لبنان ، فالجمال يكمن في أي مكان.

وداعًا يا أبها ❤️

كنت دائمًا عند أي رحلة سفر أردد: ودعتك يا أبها و القلب لن يحن ، لكن حينما حان الوداع سقط قناع الكبرياء ، و ارتعد فكري من فقدان تلك الأشياء .. تلك السماء التي كانت دائمًا ما تواسيني بعد كل جفاء كانت كلوحةٍ لا تضاهي عمل أي فنان و لو حاول صبح مساء ، و طبيعةٌ خلابة لن توازيها حضارة الحجاز و إن تنوعت في الأزياء ، و ذكرياتٌ تجول في ذهني بين أروقة المستشفيات و مواقفي مع بعض الأطباء ، و شخصياتٌ لن تمحى من ذاكرتي و حبي لهم سيكون خالدًا في وجداني و لو باعدت بيننا المسافات ، و أيامٌ لازلت لها أبالي صقلتني بالرغم أنها كانت بلاء ، و لحظاتٌ قد تألقت فيها غمرتني فرحة و رجاء ، و عن كل ما حصل فيها أنا راحلة بقلب مليءٍ بالرضا ساعية إلى ذاك الضياء ، و ها أنا أنهي فصلاً طويلاً في حياتي متعجلة ببضع كلماتٍ مودعة قبل أن تقلع طيارتي إلى أعالي السماء.

تحولٌ جديد

كنت دائمًا أتساءل لما كل هذا الوعيد تجاه قاطع الرحم ؟ فأجدني مكرهةً على مقابلتهم ، و دمي يغلي من لسعاتهم و أحكامهم ، فأصاب بحمى الروح من بعد جلساتهم ، و لا مسكن يفيد و لا حبٌ يزيد و الغريب خير من ألف قريب ، و صار للكره مساحة في قلبي ، و للحنق و المقت ألبي، و إختراقٌ للخصوصية و فضولٌ مريب ، فقطعت حبال الوصل علني أشفى ، فهربت بعوالمي إلى مكانٍ بعيد ، إلا أنني في الآونة الأخيرة أدركت لما هذا الأمر فرضٌ و لما الحكم غليظ ! فوجدت أن اللقاءات و مشاركتهم أفراحهم و أتراحهم هي الدواء المرُّ لكن أثره عجيب ، من دونها لن تصفوا العلاقات ، و لن تنضب المياه و ستزيد التيارات ، و ستنهار الذكريات ، و تتقطع المسارات ، و النجاة في قربهم لكن بمنهجٍ جديد ، فحينما سلكت السياسة في الرد ، و تغافلت عن سوء التعليقات و قابلتهم بالود لا بالصد ، وجدت أني قد رفعت شأني ، و قد أجهدتهم من مراوغتي ، فقل ذاك الأذى ، و صار لسمعتي صدى ، و تحولت من إنسانة هشة إلى شخصيةٍ من حديد.

عالمين مختلفين

لو لم أكن طبيبة أو بالأصح في مراحل تطور طبيبة لأحببت أن أدبلج الرسوم المتحركة ، و أغير في صوتي ، و أدخل الفرح لمن يسمعني ، فلا يعلم من يراني كيف أجد السعادة في سماعهم ، و في رسائلهم و في حواراتهم القيمة و ألحانهم ، و هنا أتحدث عن مسلسلاتنا القديمة لا ما أنتجه عالمنا الحديث من تشوه الفكر و الشكل ، و إنعدام المغزى ، فيتحول الطفل بعد مشاهدتهم لأزمة ، فما أشد حزني حينما ينقلب الشيء الجميل إلى عمل مبتذلٍ خطير ، فهل التطور الحقيقي يكمن في جودة الألوان و الصوت أم في جودة الفكر و المعنى؟ حتى الصوت ! أجد أنه تشوه فصار الاختيار فيه عبثًا ، و ابتعدنا عن لغتنا الفصحى ، و صارت العامية وسمًا ، و لم نبقي لهذا الطفل من عربيته شيئًا ، فصارت الحماقة تغلبه ، و سوء الخلق يصوره ، و بالعنف تعامله ، و نظرتي لا تعبر فقط عن هذه الزاوية ، و إنما أيضا في إعلامنا الجديد ، فشتان ما بين الماضي و بين الحاضر الغريب ، و أجدني محظوظة أنني عشت بين الاثنين ، فصرت قادرة على تمييز الغث من السمين ، لكنني أدرك أن هذا التمييز لا يغير ، فسحقًا لهذه التطور المحير.

أسلوبٌ ساخر

من باب الفضفضة ، و بسبب موقف ما ، كان يزعجني جدا من يصفني بالمجتهدة لأنه يشعرني بأنه ألغى كل ما فيني ، و لم يجد إلا هذا الجانب ليواسيني ، و لأن المجتمع يتبنى فكرة بأن الذكي هو من يحصل على الخيرات بأقل التضحيات ، و أن من يعاني و يتذوق مرارة العقبات هو بليد الفكر ، و الدليل فقره للدرجات ! جعلني أتحسس من هذا الوصف ، و اسخط غضبا من هذا الشخص ، لكنني اليوم أمد يد السلام مع هذا الكلام ؛ لأنني فكرت أن ليس كل إنسان له نظرة ثاقبة في أسرار الكيان ، و كل من أصدر حكمه رأى الظاهر لا ما تخفيه نفسي ، و ما يعتريه فكري ، و طريقة تخيلي ، و ما يعنيني هي مكنونات روحي لا ما تطلقه سهامهم لتكشف عن جروحي ، و لهم الظاهر و لي الباطن ، و يكفي بأنني بذاتي أؤمن و أفاخر بأن ربي قد كتب لي مستقبلاً ستعوج بها ألسنتهم من أسلوبهم الساخر ، و النصر دائمًا نهاية المثابر.

ما بين حظٍ و قدر

لأمرنا عجيب حينما نطالب الحياة أن تسير على وتيرة معينة ، و يصل بنا الحال أن تكسى وجوهنا برمادية القهر ، و تكحل أعيننا بكحل السهر ، و يشتعل الإدرينالين فينا ظنًا من نظرتنا القاصرة أننا لنا يدٌ في تحديد المصير ، فيخفق ذلك الضمير ، و يدق ناقوس الخطر ، و نظن أن الحظ أمرٌ مقدسٌ، و لابد من ذكره بين دعائنا لطرد ذاك الشرر ، و كأنها تعويذةٌ من إبليس لينسينا كاتب القدر ، بالرغم من أن الحياة ليست بتلك العشوائية الغريبة ، و بين خباياها نعم عظيمة لا يدركها إلا من عرف ربه و تتبع الأثر ، فلنا في الماضي عبر ، و لنا في الحاضر الصبر ، و لنا في المستقبل أمرٌ سينسينا آلام هذا الدهر.

أتوق للرحيل

أتوق للرحيل، أكابد الكثير ، لأكمل المسير، و همٌ عسير ، و نفس تطير إلى مصيري الكبير ، أعانق الظنون ، و أسند الهموم على مطرح السرير ، و لا نوم يزور ، و قلبٌ مكسور ، و جهد مهدور في هذا العالم الحقير ، مشاعر أسير يضنيه التفكير ، و حزن يحوم ، يهول التفسير ، أصارع السراب ، يخاطرني الإنسحاب ، فيذكرني الأحباب بالصبر و الجهاد ، و الأجر و الثواب ، و الله بالعبد الفقير عليم بصير.

عالم متحضر

ما فائدة القوانين إن لم تخدم أحدًا ، و ما قيمة المفاهيم إن كانت تقليدًا و نسخًا ، و ما ذنب التاريخ حينما يهمش بيدهم ، و ما علة تفكيرهم ، و أين منطقهم ؟ فما وجدت أهون من بيت العنكبوت إلا حججهم ، و ما دخلت معهم نقاشًا إلا وضاقت أنفاسي من حماقتهم ، و شاب شعري قبل أن أبلغ الثلاثين بسبب تعقيداتهم و ثرثرتهم ، فلا شيء يحز في نفسي إلا أنهم محو جمال لغتنا ، و سحقوها تحت ألسنتهم ، و ما عدنا للغتين نفقه ، و للتيه نلبي ، و بالهمهمة نعبر ، فانفصلنا عن هويتنا ، و تشبثنا بثقافاتٍ ليست لنا ، و في إعجبانا بهم نسترسل ، فأصبحنا نترجم معانينا بلغتهم مواكبة للعالم المتطور ، و بلغ فينا أننا للعربية نذم ، و أنها لقيمة الأطروحة العلمية تقلل ! فيا قلبي ماذا أقول ؟ و هل أنا للموقف أُهول ؟ أم أن حميتي العربية خلقت فيني أسدًا مزمجر ، و كيف ننمو و نحن تحت ظل الغرب نلوذ من شمس تاريخنا المجلل ! فلا أنا عدت أعرف من أنا ، و لا لهويتي أنتمي ، و حولي هالة من الحيرة أمام هذا العالم المتحضر.